أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
150
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
2037 - لدوا للموت وابنوا للخراب * . . . « 1 » أي : لما صار أمرهم إلى ذلك عبر بهذه العبارة ، والعلة غير مرادة في هذه الأمثلة . والمحققون يأبون جعلها للعاقبة والصيرورة ، ويؤولون ما ورد من ذلك على المجاز . وجوّز أبو البقاء فيها الوجهين ، أعني كونها لام العاقبة ، أو العلة حقيقة ، فإنه قال : « واللام لام العاقبة ، أي أن أمرهم يصير إلى هذا . وقيل : إنّه قصد بالتصريف أن يقولوا : درست عقوبة لهم » . يعني لهذه علة صريحة . وقد أوضح بعضهم هذا فقال : « المعنى : نصرّف هذه الدلائل حالا بعد حال ليقول بعضهم : دارست فيزدادوا كفرا ، ونبينه لبعضهم فيزدادوا إيمانا ونحوه يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً « 2 » . وأبو علي جعلها في بعض القراءات لام الصيرورة ، وفي بعضها لام العلة ، فقال : « واللام في « لِيَقُولُوا » في قراءة ابن عامر ، ومن وافقه ، بمعنى : لئلا يقولوا ، أي : صرفت الآيات وأحكمت ، لئلا يقولوا هذه أساطير الأولين قديمة ، قد بليت وتكررت على الأسماع . واللام في سائر القراءات لام الصيرورة . « قلت : قراءة ابن عامر « دَرَسْتَ » بوزن أكلت ، وسرقت فعلا ماضيا مسندا لضمير الآيات . وسيأتي تحقيق القراءات في هذه الكلمة متواترها وشاذها . قال الشيخ « 3 » : وما أجازه من إضمار « لا » بعد اللام المضمر بعدها « أن » هو مذهب لبعض الكوفيين . كما أضمروها بعد « إِنِ » المظهرة في : أَنْ تَضِلُّوا « 4 » ولا يجيز البصريون إضمار « لا » إلا في القسم على ما بين فيه ، ثم هذه اللام لا بدّ لها من متعلق ، فقدره الزمخشري وغيره متأخرا ، قال الزمخشري : « وَلِيَقُولُوا » جوابه محذوف ، تقديره : وليقولوا درست نصرّفها . فإن قلت : أي فرق بين اللامين في « لِيَقُولُوا » و « لِنُبَيِّنَهُ » ؟ قلت : الفرق بينهما أن الأولى مجاز ، والثانية حقيقة ، وذلك أن الآيات صرّفت للتبيين ، ولم تصرّف ليقولوا دارست ، ولكن لأنه لما حصل هذا القول بتصريف الآيات ، كما يحصل التبيين شبه به فسيق مساقه . وقيل : ليقولوا كما قيل : « لِنُبَيِّنَهُ » . قلت : فقد نصّ هنا على أن « لام » « لِيَقُولُوا » علة مجازية . وجوز بعضهم أن تكون هذه اللام نسقا على علة محذوفة . قال ابن الأنباري : دخلت الواو في « وَلِيَقُولُوا » عطفا على مضمر ، التقدير : وكذلك نصرّف الآيات ، لنلزمهم الحجة « وَلِيَقُولُوا » . قلت : وعلى هذا فاللام متعلّقة بفعل التصريف من حيث المعنى ، وكذلك قدّره من قدره متأخرا ب « نُصَرِّفُ » . وقال الشيخ : « ولا يتعين ما ذكره المعربون والمفسرون من أن اللام لام « كي » أو لام الصيرورة ، بل الظاهر أنها لام الأمر ، والفعل مجزوم بها ، ويؤيده قراءة من سكن اللام والمعنى عليه متمكن ، كأنه قيل : وكذلك نصرّف الآيات ، وليقولوا هم ما يقولون من كونها درستها وتعلمتها ، أو درست هي ، أي : بليت وقدمت ، فإنه لا يحتفل بهم ، ولا يلتفت إلى قولهم وهو أمر معناه الوعيد والتهديد ، وعدم الاكتراث بقولهم ، أي : نصرفها وليدّعوا فيها ما شاءوا ، فإنه لا اكتراث بدعواهم . وفيه نظر ، من حيث إنّ المعنى على ما قاله الناس وفهموه ، وأيضا فإن بعده : « وَلِنُبَيِّنَهُ » وهو نص في لام كي . وأما تسكين اللام في القراءة الشاذة فلا يدل ، لاحتمال أن تكون لام كي سكنت إجراء للكلمة مجرى « كتف » و « كبد » وقد رد الشيخ على الزمخشري ، حيث قال : « وَلِيَقُولُوا » جوابه محذوف . « فقال « 5 » : « وتسميته ما يتعلق به قوله : « وَلِيَقُولُوا » جوابا ، اصطلاح غريب ، لا يقال في « جئت » من قولك : « جئت لتقوم » : إنّه جواب . قلت : هذه العبارة قد تكررت للزمخشري ، وسيأتي ذلك في قوله :
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة البقرة ، آية ( 26 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 198 ) . ( 4 ) سورة النساء ، آية ( 176 ) . ( 5 ) انظر البحر ( 4 / 198 ) .